الحاج حسين الشاكري

52

موسوعة المصطفى والعترة ( ع )

قال الزنديق : فمَن قال بالطبائع ؟ قال ( عليه السلام ) : القدرية ، فذلك قول من لم يملك البقاء ولا صرف الحوادث ، وغيّرته الأيام والليالي ، لا يردّ الهرم ، ولا يدفع الأجل ، ما يدري ما يصنع به . قال الزنديق : فأخبرني عمّن يزعم أنّ الخلق لم يزل يتناسلون ويتوالدون ويذهب قرن ويجيء قرن وتفنيهم الأمراض والأعراض وصنوف الآفات ، ويخبرك الآخر عن الأوّل ، وينبئك الخلف عن السلف ، والقرون عن القرون ، إنّهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر والنبات ، في كلّ دهر يخرج منه حكيم عليم بمصلحة الناس ، بصير بتأليف الكلام ، ويصنّف كتاباً قد حبّره بفطنته ، وحسّنه بحكمته ، قد جعله حاجزاً بين الناس ، يأمرهم بالخير ويحثّهم عليه ، وينهاهم عن السوء والفساد ويزجرهم عنه ، لئلاّ يتهارشوا ، ولا يقتل بعضهم بعضاً ؟ قال ( عليه السلام ) : ويحك ! إنّ من خرج من بطن أُمّه أمس ، ويرحل عن الدنيا غداً ، لا علم له بما كان قبله ولا ما يكون بعده ، ثمّ إنّه لا يخلو الإنسان من أن يكون خلق نفسه أو خلقه غيره ، أو لم يزل موجوداً ، فما ليس بشيء ليس يقدر أن يخلق شيئاً وهو ليس بشيء ، وكذلك ما لم يكن فيكون شيئاً ، يسأل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه ، ولو كان الإنسان أزلياً لم تحدث فيه الحوادث ، لأنّ الأزلي لا تغيّره الأيّام ، ولا يأتي عليه الفناء ، مع أنّا لم نجد بناءً من غير بان ، ولا أثراً من غير مؤثّر ، ولا تأليفاً من غير مؤلّف ، فمن زعم أنّ أباه خلقه ، قيل : فمَن خلق أباه ؟ ولو أنّ الأب هو الذي خلق ابنه لخلقه على شهوته ، وصوّره على محبّته لملك حياته ، ولجاز فيه حكمه ، ولكنّه إن مرض فلم ينفعه ، وإن مات فعجز عن ردّه ، إنّ من استطاع أن يخلق خلقاً وينفخ فيه روحاً حتّى يمشي على رجليه سوياً ، يقدر أن يدفع عنه الفساد .